عثمان بن جني ( ابن جني )
395
الخصائص
أصلين " 1 " وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضا عن وجوب . فالناطق بذلك بصورة من جرّ الفاعل أو رفع المضاف إليه ، في أنه لا أصل يسوّغه ، ولا قياس يحتمله ، ولا سماع ورد به . وما كانت هذه سبيله وجب اطّراحه والتوقّف عن لغة من أورده . وأنشدني أيضا شعرا لنفسه يقول فيه : كأنّ فأي . . . فقوى في نفسي بذلك بعده عن الفصاحة ، وضعفه عن القياس الذي ركبه . وذلك أن ياء المتكلم تكسر أبدا ما قبلها . ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستّة بالياء ؛ نحو مررت بأخيك وفيك . فكان قياسه أن يقول ( كأنّ فىّ ) بالياء كما يقول ( كأنّ غلامي ) . ومثله سواء ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم : كسرت فىّ ، ولم يقل ( فأي ) وقد قال اللّه سبحانه : " إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ " [ القصص : 25 ] ولم يقل : إن أباى . وكيف يجوز إن أباى ، بالألف وأنت لا تقول : إن غلامي قائم ، وإنما تقول : كأنّ غلامي بالكسر . فكذلك تقول ( كأنّ فىّ ) بالياء . وهذا واضح . ولكن هذا الإنسان حمل بضعف قياسه قوله ( كأنّ فأي ) على قوله : كأنّ فاه ، وكأنّ فاك ، وأنسى ما توجبه ياء المتكلم : من كسر ما قبلها وجعله ياء . فإن قلت : فكان يجب على هذا أن تقول : هذان غلامىّ ، فتبدل ألف التثنية ياء ؛ لأنك تقول هذا غلامي فتكسر الميم ، قيل هذا قياس لعمري ؛ غير أنه عارضه قياس أقوى منه ، فترك إليه . وذلك أن التثنية ضرب من الكلام قائم برأسه ، مخالف للواحد والجميع " 2 " ؛ ألا تراك تقول : هذا ، وهؤلاء ، فتبنى فيهما ، فإذا صرت إلى التثنية جاء مجىء المعرب فقلت : هذان ، وهذين . وكذلك الذي والذين ، فإذا صرت إلى التثنية قلت اللذان ، واللذين . وهذا واضح . وعلى أن هذا الرجل الذي أومأت إليه من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه ، وتحلّى عندنا حليته . فأمّا ما تحت ذلك من مرذول أقوال هذه الطوائف فأصغر حجما ، وأنزل قدرا أن يحكى في جملة ما ينثى " 3 " . ومع هذا فإذا كانوا قد رووا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سمع رجلا يلحن في كلامه فقال :
--> ( 1 ) في نسخة : أصليتين . ( 2 ) في نسخة : الجمع . ( 3 ) في بعض النسخ : " ينشى " . ونثا الحديث والخبر نثوا : حدث به وأشاعه وأظهره . اللسان ( نثا ) .